عبد الملك الجويني
344
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولا نرى الانحدار عن صَدْر الكتاب من غير تقعيد وتمهيد ، يَطّلع به الناظرُ على معظم المقاصد . وترتيبُ الشافعي أولى متبع ، وقد تشوّف إلى استيعاب التمهيد ؛ إذ ذكر أصول الحرمات ، وتعرض للبن الفحل ، فنقول : لحرمة الرضاع أصول وفروع ، فالأصول ثلاثة أشخاص : المرأة المرضعة ، والصبي المرتضع ، والرجل الذي [ أدرّ لبنَ ] ( 1 ) المرأة على الولد المنتسبِ إليه ، وهو المسمى الفحلَ في هذا الكتاب ، والمرتضع بحكم الرضاع ولدٌ ، والمرضعة أمٌّ ، والرجل الذي وصفناه أبٌ ، فهؤلاء أصول الحرمات . ثم الحرمات لا تقتصر على الأصول ، بل تنتشر منها ، وقد يتمحضُ الانتشارُ في جهةِ الرضاع ، وقد يُمزَج النسبُ بها ، فليعتقد الفقيهُ أن المرتَضِعَ في منزلة الولد في الحرمة والمحرميّة ، ثم تنتظم الحرمةُ بينه وبين من تعتزي الأم إليه على حسب انتظامها بين الولد وبين المنتسبين إلى أم الولادة ، فيحرم المرتضعُ على أمهات المرضعة ، وآبائها ، وأخواتها ، وأخواتهم ؛ فإنهم يقعون منه على مراتبِ الأخوالِ والخالاتِ . ولا تثبت الحرمة بين المرتضع وبين بني إخوة المرضعة وبني إخوتهم ، فإنهم يقعون من المرتضع في مرتبة بني الأخوال ، وأولاد الخالات ، وهم لا يحرمون في النسب . وحرمة الرضاع في انتشارها لا تُبِرّ ( 2 ) على جهة النسب . وهذا النسق بين المرتضع وبين أب الرضاع ، والمنتسبين إلى أب الرضاع ، أو المتصلين به بجهة الرضاعة على حسب ما ذكرناه في المرضعة . هذا بيان أصل الانتشار من المرضعة ، وأب الرضاع . 9993 - وأما انتشار الحرمة من جانب المرتضع ، فكل من يحرم المرتضعُ عليه ، فيحرم أولادهُ عليه ، وإن تَسفّلوا .
--> ( 1 ) في الأصل : كدّر أن المرأة . وهو تصحيف بشع لا وجه له . ( 2 ) لا تُبرّ : لا تزيد .